سر إختفاء سعيد وحول علاقة ذلك ببطشه أيام الثانوية
إنتهى عمل سعيد في محل تصليح السيارات الذي إمتلكه مؤخراً في إحدى مدن لونغ أيلاند المقاطعة الواقعة شرق مدينة نيويورك والتي كان يسكن أحد مناطقها الخمس . كانت ساعات العمل اليومية طويلة وطالما ذكره الظلام بأن عليه أن يعود قريباً لتصليح السيارات مرة أخرى والتحضير للإغلاق سريعا . كان نهاره طويلاً إبتدأه من الساعة الخامسة صباحاً وقت إستيقاظه المعتاد ستة أيام من الإسبوع. كالآلة يعمل. لايأخذ عطلاً وإنما يعمل معظم أيام السنة منذ أن أتى إلى أمريكا. الحظ أتاه بسرعة فوجد عملاً عند بائع للسيارات ثم إمتلك محلاً لبيع السيارات المستعملة فشل بعد سنة فعمل بعدها في محل ميكانيك ليملك محلاً للميكانيك الآن.
أتى زبائنٌ في الصباح قدموا له أشياءً للعمل أبقته مشغولاً معظم اليوم على الرغم من التلهيات التي أتت من التليفونات المعتادة من الأصدقاء القلائل وأبناء البلد الموجودين معه في الغربة زائد الصاحبة الأمريكية بربارا التي يعيش معها منذ حوالي الثلاث سنين والتي تراقبه ويراقبها بإستمرار بينما علاقتهما تتأرجح بين الحب والكره طول الوقت منذ اللحظة الأولى للقائهما التاريخي .
شعر بالتعب الجسدي كالعادة لأنه يعمل وحيداً في المحل منذ إفتتاحه مؤخرآ بمساعدة بعض الأصدقاء وبضعة عمليات إحتيال صغيرة هنا وهناك برع بها جداً في حياته التي وصلت إلى منتصف الثلاثينات والتي قادته إلى ماهو به اليوم من "أكل الخرا" كما يسمي الأمور والزمان.
أغلق الستارة الحديدية بعدما أطفأ الألات والأنوار . أبدأ محرك سيارته البي أم دبليو وتركها تحمى قليلاً لرحلته القادمة في برد نيويورك والتي تأخذه حوالي الساعة تقريباً يقضيها بشرب البيرة، التدخين، سماع الموسيقى، القيادة السريعة جداً والتكلم على الهاتف. إبتدأت بالمطر فركض وإشترى نصف دزينة هاينكن باردة، بيرته المفضله، من عند جاره بائع كحول الجملة اليوناني. تمازحا قليلاً كالعادة وجلب للرحلة علبة دخان من المارلبورو لايت .
في سيارته بحث قليلاً عن موسيقا الرحلة، ووجد بضعة إحتمالات وإبتدأ بوضع سي دي عثر عليه فوراً ثم فتح زجاجة بيرة مستخدماً ولاعة سجائره التي إستخدمها أيضاً لإشعال سيجارته الأولى. لم تعجبه الموسيقا ولم تلائم المزاج فبحث مرة أخرى ووجد سي دي آخر وضعه وإبتدأ بالسماع وأيقن فوراً أن صديقه غسان قد عمله له من كومبيوتره يوم زاره في عطلته مؤخراً والذي شهد مغامرة لاتنسى.
مع كلمات الأغنية الأولى ونغماتها أخذ سعيد الطريق المحلي رقم 27غرب إلى 110 شمال ومن ثم إلى 495 غرب السريع الذي إندمج به بسرعة حيث أصبح الطريق مفتوحاً أمام محرك سيارته الضخم الدافئ الآن الذي رعد وبدأ يسابق الوحوش الحديدية الأخرى بسرعة محولاً إياها إلى نقط من ماض على اللونغ أيلاند إكسبرس وي.
بعدما إنسجم سعيد مع السير بدأ بالبحث عن تليفونه وخابر صاحبته التي يعيش معها في شقتتها في جامايكا، كوينز والكائنة في الطابق الثاني من فاميلي هاوس مملوك من قبل جديها الذان يسكنا الطابق الأرضي. الصاحبة سمراء أمريكية أصلها من الجنوب، والدها ضابط في الجيش الأمريكي من أصول إفريقية ووالدتها فرنسية بيضاء توفيت قليلاً بعدما ولادة إبنتها الوحيدة باربارا. تعرف سعيد على باربارا عن طريق غسان إبن مدينته وصديقه القديم الذي يعيش في بروكلين والذي كان يدرس في إحدى جامعات مدينة نيويورك متخصصا باللغة والترجمة ويعمل هنا وهناك في مهن عديدة. كان غسان نقيض سعيد في كثير من الأمور مع أنهما من نفس المدينة، كما يقال. فغسان قد أتى إلى أمريكا ليتعلم ويعمل بينما أتى سعيد ليعمل وينشأ بزنس كما يقولون وليس عنده مكان للثقافة والعلم.
ردت بربارا على تليفون سعيد بسؤالين حول العمل ومتى سيعود إلى المنزل؟ أجابها سعيد وقال لها بأنه على الطريق وتعبان كالعادة وأن العمل لابأس به وأنه في تحسن مستمر. سألته عن المدخول فأخذ يخبرها عن أشياء لابد من صرفها على المحل ومدفوعات لكثير من الدائنين. أخبرها أيضاً أن صديقه الجعفر الذي يملك محلاً لبيع الذهب في نيوورك، نيوجرزي قد أتى لتصليح سيارته في الصباح وجلب معه الخاتم الذي كان سعيد قد أوصاه عليه وإشتراه ليكون معه أثناء نيته طلب الزواج من بربارا في أحد الأيام المقبلة. سولف لها قصة، معظمها تجليط، حول ذهابه خصوصاً إلى نيوجرزي لشراء الخاتم. بالطبع لم يخبرها بالسعر الحقيقي للخاتم وإنما كبر الأمور وضخمها وجعل من ذلك الخاتم جوهرة المهراجا.
أسعدت هذه الكلمات بربارا التي كان فعلاً يحبها مع أنه يكذب عليها في كثير من الأمور. التجليط في دمه ودم معظم من أتى من تلك المدينة الشرق أوسطية المحاذية للبحر. كان يرغب بالزواج من أجل الحصول على كرت الإقامة أيضاً والذي كان قد أصبح مؤخراً ضرورة بسبب التشديدات الجديدة وخصوصاً بعدما أصبح لديه محل جديد بعد حياة من العمل عند الاخرين. كان الزواج ضروريا لبربارا أيضاً فهي قد أستثمرت مع سعيد الوقت، الحب والحنان زائد العشر آلاف دولار التي أقترضتها من البنك لتساعد في بناء محل الميكانيك الجديد.
قالت بربارا أنها قد طبخت خصوصاً له وأنها سوف تخبر جديها ووالدها الساكن بعيداً بالخبر السعيد. أثلج هذا صدر سعيد الذي كان عادة يغار كلما خرجت وسهرت مع أصدقائها. تحادثا بالحب قليلاً بينما كانت السيكارة رقم إثنين تتسلل إلى بين أصابعه.
أغلق سعيد الهاتف بعد معزوفة من كلام الحب والعشق ورجع إلى الموسيقا:
يام عيون الدبلانة....سمرا لاشو زعلانة
صرتي بتحكي حلبي... وبعقلي عملتي غوشة
....
هيييييه هييييييييية
هيييييييية هاجر....
تسمع سعيد بطرب مع زجاجة بيرة ثانية وعندما قال المطرب منادياً الدبيكة وفرقته الموسيقية : "يلا إدعس" قبل قدوم الفاصل الموسيقي السريع القوي الطويل الذي كان ينتظره بسعادة دائما، دعس بقوة على البنزين وزمجرت سيارته السوداء الضخمة القوية وإنتقلت إلي الخط السريع محيلة معظم السيارات المسافرة والمسافرين فيها إلى أحداث من الماضي تطوي المسافات طياً مع أورغ الداعور وصوت وفيق وسعيد يشرب البيرة مطروباً يغني بسعادة.
**
كان غسان في منزله يكتب وظيفة لجامعته عندما أعلن هاتفه سعيد على الطرف الآخر. تحادث الصديقان قليلاً وتواعدا على اللقاء قريباً وخصوصا بعدما أخبر سعيد غسان أن بعض الأصدقاء سيأتوا إلى حفلة سيقيمها المطرب بركات اللحم المشهور. لم يصدق غسان كعادته ماقاله سعيد لأن الأخير معروف بتجليطات لاحدود لها. حاول سعيد تأكيد أن حمدان سامي وخالد هارون سوف يأتون بأقرب مايمكن وستكون تلك الحفلة فرصة للم الشمل ولقاء بعض الأصدقاء القدام. بالطبع شط سعيد في كلامه وإبتدأ بالتمنفخ والتبجح وصرح أنه كان "يشبع حمدان سامي قتلات أيام الثانوية." ضحك غسان وسأل سعيد عن أسباب ذلك، رد سعيد وقال : "لأن حمدان كان بليد."
في غرفته هز غسان رأسه عندما قال سعيد ذلك وذلك لأنه أخفى أنه يعرف حمدان سامي جيداً ومن غير المعقول مايقوله سعيد. أكمل سعيد محادثته مع غسان وسأله عن سي دي موسيقي آخر. أخذ الصديقان بالتكلم عن الموسيقا وفي سياق الحديث تواعدا على اللقاء. أخبره غسان أنه في المنزل يكتب وظيفته تتعلق بعلم الإجتماع في ذلك اليوم قبل أن تعود زوجته دورين الأمريكية من عملها حيث كان عليهما العشاء سوية قبل سفرها للعمل في ولاية أخرى وأنه سوف يعمل سي دي موسيقا بعد كل هذا. كانت علاقة غسان المتزوج مع إمرأته عكس علاقة بربارة وسعيد حيث كان الحب، الحنان والتفاهم هما سيدا الموقف طول الوقت. كان سعيد يعرف هذا فهو يعرف دورين ويعرف علاقتها الجيدة جداً مع غسان. لم يمنع هذا سعيد من سؤال صديقه عن زوجته فأخبره الأخير بأن الأمور هي على مايرام كالعادة. نفخ سعيد قليلاً وأخبر غسان أنه قد تعارك وبربارا الإسبوع الماضي بسبب سهرها مع أصدقائها ولكنه مع كل ذلك يعتزم الزواج بها.
تحادث الصديقان حول وضعهما القانوني في المهجر فسعيد غير قانوني في أمريكا وبحاجة لتصليح وضعه بينما غسان مقيم بفيزا طالب وقد تزوج من دورين مؤخراً وينوي تصليح وضعه المعقد الذي كان قد تدهور عندما تزوج إحداهن ليكتشف فيما بعد أنها متزوجة من عشرة مهاجرين آخرين تخدعهم. لم يكن موضوع الهجرة ممتعاً فكلا الرجلين يفضل عدم الحديث عنه فوق الهاتف فلهذا كان الموضوع مختصراً إتفقا فيه على التكلم فيه عندما يلتقيان وجهاً لوجه. إتفقا أيضاً على عدم التكلم في هذا الموضوع المقيت.
عاد سعيد إلى موسيقاه، القيادة السريعة، وزجاجة هاينكن أخرى مع سيجارة جديدة، وعاد المطرب ليصرخ : "عليهم" قبل الأورغ والطبلة السريعين جاعلاً سعيد ينهب المسافات نهباً بإتجاه بيت بربارا على وحش حديدي يرعد في مساء بارد.
وصل سعيد إلى الشقة ووجد بربارا منتظرة والعشاء جاهز على الطاولة بينما الشموع والزهر يزينا المكان. لبست بربارة للمناسبة فستطاناً أسوداً طالما أحبه سعيد الذي إنبسط وإنفرجت أساريره وعانقها ثم قبلها بينما كانت يده تبحث في جيبه عن الخاتم وعلبته التي تلقاها اليوم. كان مسروراً جداً ونزل على ركبتيه كما كانت تطلب منه دائماً وسألها إن كانت تقبل به زوجاً لها. .......
كعادتها في مواقف كهذه ترددت بربارا وقالت بأن عليها أن تفكر بالأمر.
عندما سمع سعيد هذا الجواب إنطبس كعادته فإنقلبت سحنته فلاحظت ذلك بربارا التي رجعت بكلامها وحاولت أن تعيد البسمة إلى الموقف. أدركت بأنها قد أخطأت قليلاً وقالت له بأنها كانت تمزح وأنها بالفعل تريد الزواج منه ولكن عليه أن يتقدم ويكلم جدها بالموضوع المهم والذي لايمكن المرور عليه مرور السلام. قالت له أيضاً أنها تريد منه أن يتكلم مع والدها في هذا الأمر أيضاً.
كان هذا الجواب متأخراً قليلاً لسعيد الذي تغيرت ملامحة وسحنته للتو من منير مبسوط إلى قاتم عابس يزم شفتيه عاقداً حاجبيه ويلعن أبو الزمان في قرارة نفسه، فإتجه إلى غرفته وإبتدأ بخلع ثياب العمل ومن ثم توجه للحمام وإبتدأ في حف الزيوت والشحوم من على يديه ووجهه وأطلق العنان للمياه الساخنة لعلها تهدء الأمور وتسكن القلق والغضب في داخله. لم يعر إنتباهاً إلى برباراً ومالذي كانت تقوله، بل كان قد سرح في عالمه الخاص يفكر، يحسب، يطرح ويلعن قليلاً.
بعد الحمام الساخن الطويل لبس سعيد ثياباً منعشة وتصنع إبتسامة وجلس مقابل بربارا على طاولة العشاء المزينة بشموع وزهر من قبلها والتي أخذت بيده مبتسمة مخبرة إياه بأنها تحبه من أعماق قلبها وأنها سعيدة جداً بما فعله لها حتى الآن. حاول الإبتسام وبالكاد بانت أسنانه عندما سمع ذلك.
إلتهم سعيد الطعام الدسم الذي يحتاجه جسمه وغرق في بحر أفكار عميق يري فيه بربارا تتكلم بينما عقله يسرح بين أمور شتى وأصوات تقول أشياء مفهومة لحظة ومبهة أخرى.
بعد العشاء القوي رمي سعيد بنفسه إمام التلفزيون وإبتدأ بالتنقل بين المحطات ليرسى على بعضهم لدقائق يعود بعدها للبحث مرة أخرى بينما كانت بربارا على التليفون تثرثر مع صديقتها تنظف ماخلفه العشاء. كان مدهوشاً وتعباناً في نفس الوقت مما أعطى الفرصة لعينيه أن تغلقان وأن يسرح في عالم الأحلام سريعاً.
***
أيقظ منام غليظ سعيد من نومه قبل رنين المنبه فقام وأبدأ الماء الساخن في الحمام ثم عاد وأسكت ذلك المنبه. كان من الواضح نيته الخروج من المنزل أبكر مايمكن فالساعة لم تصل الرابعة وذلك ساعة كاملة قبل الخامسة موعد الرنة المعتادة. كانت هناك طعمة سيئة من ما حدث بينه وبربارا الليلة الماضية، وكيف تغنجت عليه وجرحت مشاعره بعنادها وفذلكتها المعهودة كما قال في قرارة نفسه. تذكر أيضاً بأن اليوم هو السبت وغداً عطلته وعليه ترتيب الكثير من الأمور فإنسل من الغرفة والشقة تاركاً إياها نائمة في أحلامها تسرح مبسوطة من الخاتم لاتدري كم من الكدر قد جلبت لعقليته.
كان اللونغ أيلاند إكسبرسوي موحشاً ولم يكن هناك الكثير من السيارات متجهين شرقاً ولهذا فلم يتسمع للموسيقا وإكتفى بشرب الدخان سيكارة تلو الأخرى والقيادة بسرعة. نهبت سيارته المسافات نهباً ليصل إلى المحل مبكراً ففتح المكان وأعطي نفساً للآلات النائمة الباردة فنخرت متحضرة ليوم عمل جديد من غير تذمر.
بدأ بالعمل على سيارة كانت قد تركت منذ البارحة لينهي مابها خلال وقت سريع فأخرجها من الكراج وصفها خارجاً. عاد إلي الداخل وإبتدأ بترتيب محلة وعدته وكتابة ماينقصه لأن بائع القطع المتجول لسيأتي اليوم وعليه أن يضع طلبيته الجديدة ويدفع ماعليه. تذكر هذا فمشى إلى البنك القريب منه وأخرج نقوداً وعد مابقي معه من البارحة وعند عودته إلى محله إبتدأ بجمع أرقام ماحصله خلال الإسبوع.
كانت الأرقام جيدة ولكنها لم تكن ممتازة. لم يحبط هذا عزيمة سعيد فالزبائن بتصاعد ومدفوعاته لمحلات الجملة التي تمده بقطع الغيار على موعدها في معظم الأوقات. فوق كل ذلك، كان لديه بربارا التي أستدانت لتساعده والتي صرحت له بأنها ستتدين مرة أخرى إن إحتاج فهو زوج المستقبل وشريك الحياة. من حسن حظها أنه لم يأخدها علي كلمتها هذه بل شاركها بالكثير من ماربحه من المحل وإشترى لها هدايا ذهب وبعض الملابس ولشقتها مفروشات وساعدها في الكثير من المدفوعات والفواتير. من الواضح أنه كان يحبها وبالطبع عرفت ذلك. كان صاحباً جيداً لها ولكن كل هذا لم يمنع من مشاكل هنا وهناك سبب معظمها الغيرة أو حب السيطرة. في الواقع حب السيطرة هو جزء من الغيرة كما يقول صديقه غسان. كانت معظم مشاكل سعيد تشارك مع غسان الذي سمعها كلها وسدد الكثير من النصائح. منذ مجيئه لأمريكا ولسعيد أصدقاء كثر يحتل بينهم غسان مكاناً متميزاً لأسباب عديدة فهو الوحيد الذي بإمكانه مشاركته همومه مع بربارا وذلك لعلاقة غسان ببربارا. كان سعيد قد تعرف على بربارا عن طريق صديقه غسان الذي كان قد إستقر في نيويورك خمسة سنين قبله والذي كان قد عرفها عندما كان يعمل في محل للأحذية في جامايكا كوينز عندما أتت وأعجبت بالبائع الوسيم المهذب ذو الثقافة الملاحظة. أعطته رقم هاتفها ذلك اليوم وعندما خابرها غسان تحادثا عدة مرات عرفا بعضهما البعض. خرجت بربارا مع غسان لعدة مرات ولكنهما في النهاية لم يكونا مصنوعان لبعضهما البعض فغسان محظوظ مع النساء في نيويورك وبربارا ليست على مستوى النساء اللواتي كن وراءه كل والوقت، فلهذا فإبتعد عنها وكان صادقاً فقررا البقاء كأصدقاء. كان غسان بلابوي حتى قابل زوجته الحالية دورين حيث غير سلوكه وأصبح مستقيماً لايتلاعب بالعلاقة الزوجية.
عندما أتى سعيد إلي نيويورك طلب من صديقه غسان أن يعرفه على بعض النساء. من حسن حظ سعيد وجود بربارا كصديقة لغسان في ذلك الوقت فعندما توفرت الفرصة ساعد غسان حبيبي المستقبل أن يلتقيا وعلى أن يلتقيا للمرة الثانية حيث من بعدها تواعدا فأصبحا أحباب بسرعة لينتقل سعيد من شقته التي قطنها منذ قدومه من بلده الشرق أوسطي والواقعة في باي ريدج بروكلين إلى شقة بربارا الواقعة في جامايكا كوينز والتي كانت أقرب إلى عمله في لونغ إيلاند في محل ميكانيك مملوك لشخص يوغوسلافي صربي في ذلك الوقت. من محل اليوغسلافي والخطط إبتدأت بالتعشش في مخ سعيد حول الإستقلال وفتح محل لوحده حيث يكون هو المعلم الآمر الناهي. لم يكن بموظفاً سيئاً عندما كان يعمل عند اليوغسلافي ولكنه كان كسمكة كبرت علي القارورة التي هي فيها وعرفت ماهو محيطها تماماً فخطط لإمتلاك محل ونجح بجمع رأسمال لذلك.
******
صفت سيارة خارج الكراج وخرجت منها إمرأة وطلبت من سعيد تغيير الزيت وإجراء تون أب شامل ثم تركت له مفاتيحها وسألت عن متى سترجع. إبتسم سعيد لزبونته الأولى وأخبرها بإمكانها العودة بعد ساعتين. نظر سعيد إلى ساعة الحائط والتي كانت عقارب فوق سيارة سباق وعرف بأن الزبونة قد أتت قبل الساعة السابعة موعد فتح المحل عادة. إبتسم ونهض للعمل وإبتدأ برفع السيارة، لكن عمله قطع بصوت التيليفون. عندما رد سعيد وجد إنها بربارا على الخط الآخر التي سألته عن لماذا غادر المنزل من غير أن يودعها؟
كانت المحادثة مقتضبة لكن إيجابية فصوت بربارا ولهجتها سكنا القليل من غضب سعيد الذي أخبرها بأنه سوف يخابرها فيما بعد. سعدت بهذا الخبر وإختصرت المحادثة أيضاً لأنه عليها التحضير للذهاب للعمل أيضاً. أتى بائع قطع الجملة وتحادث الرجلان قليلاً ووضع سعيد طلبيته ودفع ماعليه.
عاد سعيد للعمل وقبل أن يخلص السيارة الأولى أتاه زبون قديم وترك سيارته للعمل عليها تبعه زبون جديد ترك سيارته أيضاً لأجل تصليحة. عمل سعيد بنشاط ولم يتوقف للغذاء وعندما أتاه طوني متعهد الحفلات كانت فرصة للتوقف والسؤال بدقة عن الحفلة الموعودة والتي عرف سعيد أنها ستكون في المساء حوالي الساعة العاشرة. كان طوني يريد تصليح شيئ صغير في سيارته فسارع سعيد وتولى الأمر وأعطاه فوق ذلك تغيير زيت ببلاش مما جعل طوني يعد بأحسن طاولة بالسهرة لسعيد وشلته. قال سعيد بأنه سيأتي مع صاحبته وصديقه غسان وكذلك صديقين من بوسطن. أسعد هذا العدد طوني وأخرج من جيبه دفتراً صغيراً ودون عليه أسماء القادمين. كان الرجلان على صداقة منذ أن إبتدأ سعيد بحضور حفلات المطربين القادمين من البلاد حيث كان طوني متعهدا لمعظمهم. تعود طوني على المرور على زبائنه لتذكيرهم بالمطربين القادمين وبيعهم تذاكر زائد دردشة وتحقيق بعض المنافع الشخصية الصغيرة التي تضمن للبعض سهرة جميلة.
رن الهاتف في المحل في منتصف الظهيرة وعندما أجاب سعيد كانت بربارا بصوت ناعم تسلم عليه وتطريه. كان سعيد في تلك اللحظة مسروراً فالنهار على مايرام ولهذا فأخبرها عن حفلة المطرب وسألها إذا كانت تنوي القدوم معه. أجابته موافقة مسرورة وقالت بأنها ستكون جاهزة عند قدومه من العمل. أخبرها بأن غسان وبعض الأصدقاء القدامى سيأتون أيضاً مما سرها.
إتصل سعيد بغسان وأخبره بموعد الحفلة وكذلك إتصل مع حمدان سامي ومع خالد شريتح وأكد عليهما الموعد وسمع منهما أنهما سيكونا علي الموعد في مانهاتن حيث سيقودون إلى نيوجزي. أحس سعيد بأن السهرة ستكون رائعة فالشباب ستجتمع وبركات اللحم سيلقي المواوييل التي ستسقي العطاش والشوق الموجودان في داخله.
عمل سعيد حتى إنتهاء النهار وقدوم الظلام وكعادته إشترى نصف دزينة البيرة وعلبة السكاير وقاد بسرعته المعتادة مع موسيقاه المفضلة ليصل إلى المنزل ليرى بربارا جاهزة للسهرة تشرب نبيذاً أحمر محضرة له كأس أخده بيده في طريقه إلى الحمام بعدما قبلها لبعض الوقت ليحف الشحم والزيوت مرة أخرى من على جسمه ليخرج نظيفاً إلى غرفته ليضع بدلته الرمادية مع قميصه الأحمر وحذائه الأسود اللماع المصنوع من جلد التمساح.
في السيارة إلي منزل غسان في بروكلين عبر سعيد عن عدم سروره من فتحة في فستان بربارا تطل منها ساقها وفخذها بالكامل. قال لها بأن الناس سيحكون عليه. ظهر ذلك عندما جلست في السيارة وتمنى لو أنه قد إنتبه إلي ذلك قبل مغادرة المنزل. تمتم قليلاً وهز برأسه. لم تعي مايقول ولكنها زعلت لأنها أحست بالمعنى من خلال الطاقة المنبعثة من سعيد المتوتر.
قدم غسان وغير الجو إلى سرور وتحيات وإنقلبت أسارير بربارا وكذلك سعيد الذي سعد بوجود من يفهم عليه كما صرح فوراً بالعربي معبراً عن سخطه من أمور كثيرة في الحياة أهمها النساء وخصوصاً إمرأة مثل بربارا. ضحك غسان وأجاب بالأنجليزية مما أدخل بربارا إلى المحادثة مغضباً سعيد الذي عبر عن ذلك بالعربي أيضاً.
إتجه الثلاثة إلي مانهاتن للقاء حمدان وخالد بعد هذه المقدمة الدرامية. تغيرت الأمور منذ قدوم غسان وإستغل سعيد هذا وتكلم عن الخاتم وعن الزواج. تمنى غسان للحبيبين السعادة وقال لهما بأن الزواج من شخص تحبه نعمة وقدم نفسه وزواجه من دورين كمثال على ذلك. سألت بربارا عن سبب عدم قدوم دورين إلي الحفلة فأجاب غسان وأخبرهم بأنها مشغولة جداً بعملها.
وصل الركب إلى مكان اللقاء وبسرعة عانق غسان صديقه القديم حمدان سامي وسط دهشة سعيد الذي حاول رتي ماصرح به من قبل فحاول تذكير حمدان بالقتلات أيام الثانوية. ضحك غسان وحمدان اللذان كانا قد لعبا سوية لأحد الأندية الرياضية ويعرفان بعضهما ومن غير المعقول تصديق ماجلط به سعيد. تسامر الجميع وحاولوا في دقائق ملئ فراغ سنين من الحكايا والأخبار على رصيف شارع في نيويورك. قدم سعيد صديقته التي مأخوذة مع الجو قبلت كلاً من خالد وحمدان على خديهما وإندمجت في الحديث الدائر. تكلم الجمع قليلاً وإتفقوا على اللقاء في مكان الحفلة في نيوجرزي .
تغيرت ملامح سعيد عندما قبلت صاحبته الشباب. لاحظ غسان ذلك وكيف تغير لون سعيد فوراً وعندما عاد معه وبربارا إلى السيارة إبتدأت الدراما.
لم يتحدث سعيد لفترة وعندما لم تعره بربارا إهتماماً قطع محادثتها مع غسان سائلاً إياها عن سبب تقبيلها للشباب وعن إذا كانت تعرف أنهم سوف يذهبون ويتكلمون عليه. لم تفهم ماكان يعنيه سعيد بإنجليزيته الغير كاملة لكنها عرفت المعنى وإبتدأت بالصراخ ونعته بأوصاوف غير حميدة. حاول غسان تهدئة الجو وذكر سعيد بأنه منذ عشر دقائق كان يقدم خاتم الزواج لبربارا فما حصل الآن. أجابه سعيد بالعربي وقال بأنه "يلعن أبو الساعة اللي تعرف بها على بربارا."
ساد الصمت لفترة قصيرة أتجهت به السيارة نحو اللينكولن تنل لتكسر هذه الرتابة بربارا عندما دفشت السي دي وإبتدأ أبو بكر بالقول:
الهوا نار تسري في فؤادي المعنا مالها شي شرر
غير لوعات وأنات الهوى بعد طول الوقت تلقي أثر
عانك الله ياداخل بحور الهوى من غير ديرة وربان
ولعوني وظنو إنني مامعي شي قلب متل البشر
بعد مانفذ سهم الهوى في الحشا قالوا تجنب إحذر
يحسبو انني بأنسى وبأقول ليت العشق والحب ماكان...ماكان
أتت الأغنية في الوقت المناسب وأخذ غسان بترديد الكلمات:
بعد ماشافني في بحر حبه أسير العشق مالي مفر
رد ونظر بعين العطف من بعد ماكان قلبه حجر
ضمني في خفا الحساد وتبددت مني همومي والأحزان
إبتسم سعيد للمرة الأولى تلك الليلة عندما شاهد صديقه غسان يغني بطرب محاولاً تسليته وتخفيف التوتر. إبتدأ سعيد بالغناء أيضاً ببطء أولاً ثم أخذ يتمايل مع النغم الثري الساحر وفي موجة عاطفية صرح بأنه يحب بربارا. كانت بربارا تراقب الموقف وكانت قد إبتدأت بالتمايل مع الأنغام. وإتفق الثلاثة على الإنبساط تلك الليلة فوعد سعيد البقية بأنه سيكون مهذباً فردت بربارا وقالت له بأنها تحبه ولكنها لاتحبه عندما يغضب. في خضم كل هذا أخذ سعيد الخاتم من جيبه وفتحه بحركة مسرحيه مستعرضاً أمام غسان وقدمه لبربارا التي أخذته وقبلته.
أخذا يلعبان ألعاب الحب قليل بينما كان سعيد يقود سيارته، لكن شهر العسل القصير لم يستمر حيث خلعت بربارا الخاتم وأعطته لسعيد وقالت له بأن هذا يجب أن يتم بعدما أن يتكلم مع جديها ووالدها. قالت له أيضاً أنه ليس بأمكانها قبوله كزوج مالم يتخلص من غيرته وسيطرته عليها.
أخذ سعيد الخاتم من بربارا ورماه بحنق متفجر بينما كان يلعن نفسه بالعربي. إصطدم الخاتم بالزجاج وعاد ليضرب بالسقف ويقع محشوراً بين مقعد سعيد والفاصل. حدث كل هذا وسعيد يقود بسرعة جنونية في نيوجرزي بعدما خرج من النفق وحيث أضاع طريقه للحفلة بعدما تبجح بمعرفته للطريق ورفضه للمساعدة من بربارا التي قالت له بأنها تعرف المنطقة جيداً.
بعد عناء وتضييع وقت وصلت السيارة إلي مرآب الحفلة التي كانت ستقام في قاعة ضخمة من الفندق. إبتدأ سعيد، بربارا وغسان بالبحث عن الخاتم في السيارة ومع هذا إبتدأ سعيد بالصراخ على صاحبته ولفت إنتباه القادمين إلى الحفلة متكلماً عن أمور شروي غروي كما يقولون، أي بلا معنى. أحست بربارا بالخجل من صراخ سعيد فخرجت من السيارة وأخبرت بأنها ستذهب إلى الحمام وسوف تلاقيه على باب تذاكر الحفلة. بعد ذهابها إبتدأ سعيد بالندب واللطم وأخبر غسان أنه لايعرف لماذا يقيم علاقة مع بربارا؟ حاول غسان، الذي بقي هادئاً كل الوقت، تطييب الأمور فقال لسعيد أن بربارا إمرأة جيدة وتحبه وأن على سعيد أن يفهم أن تصرفاتها هي بنات بيئتها. أخبره أيضاً أنه ليس له الحق بفرض تغييرات جذرية عليها وأن النساء في أمريكا غير النساء في الشرق الأوسط. تمتم سعيد بشتائم وأكمل بحثة المتوتر عن الخاتم.
عثر سعيد على الخاتم وخبأه وأخبر صديقه غسان على أن يكتم الأمر. وضعه في جيبه. أخرج سيكارة وأشعلها. شتم قليلاً وخرج من السيارة.
إتجه الرجلان إلى مدخل الحفلة حيث لم تكن الأمور جيدة من النظرة الأولى ومارأه سعيد جعله يغلي مرة أخرى حيث كانت بربارا تثرثر مع حمدان وخالد اللذان قد وصلا وقد إشتريا تذكرتهما بإنتظار سعيد وغسان. كان طوني واقفاً يبيع التذاكر ويرحب بزبائنه وعندما لمح سعيد ركض وأخبره بأن لديه أحسن طاولة للشباب. هدأ سعيد قليلاً ورمى بربارا بنظرة جعلتها تأتي إليه وتحاول تلطيف جوه قليلاً. تابع غسان كل هذه الأمور ومضى ليحادث صديقه القديم حمدان ويستعيدا سوية ذكرى نادي الساحل لكرة السلة وأيام العز كما دعوها. تمسخر الصديقان قليلاً من سعيد وصاحبته مما زاد الطين بلة. قام سعيد وأخذ بيد بربارا وقادها نحو الطاولة التي أشار إليها طوني والتي كان جالساً عليها بعض البشر.
قدم طوني القادمين الجدد إلى من كان على الطاولة الكبيرة والتي بقي عليها بضعة كراسي فارغة ستمتلئ بعد قليل
Monday, October 4, 2010
Subscribe to:
Comments (Atom)